إنجازات علمية أفادت العالم أجمع: الرياضيات فى الحضارة الاسلامية
بقلم:د.خالد حربى
دكتور خالد حربى
رئيس قسم المخطوطات وعلوم الحضارة الاسلامية
كلية الاداب-جامعة الاسكندرية
Email:drk_harby@yahoo.com
Drharby.maktoobblog.com
T:002-0101460325
لم يكن الإنسان فى أى مرحلة من مراحل تاريخه بعيداً عما يمكن اعتباره ممارسة لعملية التفكير والحوار مع الآخر واستخدامهما فى التغلب على مشكلات الواقع الذي كان يعيش فيه، وذلك بدءاً من العصر البدائي، وحتى مجيء الإسلام .
فعاشت الإنسانية تطبيقاً لما أنتجته قريحة المفكرين والعلماء على مر العصور، وهو ما عُرف اصطلاحاً "بالحضارات"، تلك التى تنوعت بحسب المكان والزمان، وتدافعت تطبيقاً لسنة الله فى أرضه : " ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة 251). فسنة الله اقتضت أن يكون لبعض الحضارات السؤود الحضارى فى مقابل خمود البعض الآخر، وذلك لفترات زمانية محددة، ثم تتبدل الأدوار .. وهكذا، مع الأخذ فى الاعتبار أن سنة الله "التدافعية" اقتضت أيضاً – لكى تتحقق – أن تشكل الحضارة الإنسانية فى مجملها سلسة مشتركة الحلقات بين الأمم، بحيث تحمل كل حضارة بين طياتها مبدأ الأخذ من سابقتها ، والعطاء للاحقتها. وبذلك تتحقق منظومة "التكامل" الإنسانية.
وتمثل الحضارة الإسلامية حلقة مهمة جداً – إن لم تكن أهم الحلقات – فى سلسلة الحضارة الإنسانية التى لا يمكن أن يكتمل بناءها بعيداً عن أسس ومبادئ تلك الحضارة المجيدة.
وتأتى أهمية ابراز دور الحضارة الاسلامية فى الانسانية فى هذا العصر الذى يشهد حملات شرسة بين الحين والاخر على الاسلام وحضارته للتقليل من دورها واتهام اصحابها بالتطرف والارهاب.
وتركز هذه السلسلة من المقالات على معظم العلوم التى سادت الحضارة الاسلامية وأثرها فى الانسانية جمعاء,ونبتدىء بالرياضيات:
يعد الخوارزمى أول من كتب فى علم الجبر و المقابلة بحسب ابن خلدون,ويذكر بروكلمان أن أقدم مؤلف له بايدينا كتاب فى علم الرياضيات هو أبو عبدالله محمد بن موسى الخوارزمى الذى عمل فى بيت الحكمة فى عهد المأمون وتوفى بعدسنة232هجرية.
يُعرف علم الجبر بأنه : إضافة شئ إلى كمية معلومة أو ضربه بها حتى يصير أحدهما مساوياً للآخر. ومن هذا التعريف يتضح أن القصد منه هو العمليتان الجبريتان التاليتان :
م + س = ب
م س = ب
وانتشر تطبيق هاتين العمليتين فصارتا تعنيان موضوع الجبر كله. وهو ذلك الفرع من التحليل الرياضى الذى يناقش الكميات باستخدام حروف ورموز عامة. ويعرف الجبر بالقاموس الرياضى بأنه تعميم لعلم الحساب، أى أن الحقائق الحسابية مثل 3+3+3=3×3، 4 +4 + 4 + 4 + 4= 5 × 4 ….الخ، وكلها حالات خاصة من الحالات العامة الجبرية مثل س + س+ س+ س = 4 س حيث س هى أى عدد.
ويبتدئ الخوارزمى كتابه الجبر والمقابلة ببيان الغاية والهدف من علم الجبر، ومدى نفعه للناس فيما يحتاجون إليه من الحساب، فيقول : "إنى لما نظرت فيما يحتاج إليه الناس من الحساب وجدت جميع ذلك عدداً، ووجدت جميع الأعداد إنما تركبت من الواحد، والواحد داخل فى جميع الأعداد. ووجدت جميع ما يلفظ به من الأعداد ما جاوز الواحد إلى العشرة يخرج مخرج الواحد ثم تثنى العشرة وتثلث كما فعل الواحد فيكون منها العشرون والثلاثون إلى تمام المائة. ثم تثنى المائة وتثلث كما فعل بالواحد وبالعشرة إلى الألف، ثم كذلك تردد الألف عند كل عقد إلى غاية المدرك من العدد.
وكان الدافع وراء ابتكار الخوارزمى لعلم الجبر هو علم الميراث المعروف بعلم الفرائض، فأراد أن يبتدع طرقاً جبرية تسهل هذا العلـم الشائك.
قسّم الخوارزمى الأعداد التى يحتاج إليها فى حساب الجبر والمقابلة إلى ثلاثة ضروب : وهى جذور وأموال وعدد مفرد لا ينسب إلى جذور ولا إلى مال.
والجذر يعنى "س"، والمال يعنى "س2"، والمفرد يعنى الحد الخالى من س. يقول الخوارزمى: "واعلم أنك إذا نصفت الأجذار فى هذا الباب وضربتها فى مثلها فكان مبلغ ذلك أقل من الدراهم التى مع المال، فالمسألة مستحيلة. فهذا النص يشير إلى أن الخوارزمى قد تنبه إلى الحالة التى يكون فيها الجذر كمية تخيلية بلغة الرياضيات الحديثة، فأشار إلى الحالة التى يستحيل فيها إيجاد قيمة حقيقية للمجهول، فقال : فى هذه الحالة تكون المسألة مستحيلة، أو تخيلية.
فمن الأبواب التى يحتويها كتاب الجبر والمقابلة، باب الضرب والذى يبين فيه كيفية ضرب الأعداد والأشياء والجذور بعضها فى بعض. يقول الخوارزمى :" اعلم انه لا بد لكل عدد يضرب فى عدد من أن يضاعف أحد العددين بقدر ما فى الآخر من الآحاد …". وفيه باب الجمع والنقصان والقسمة،يعرض للعمليات الخاصة وقسمة المقادير الجبرية وطرحها وقسمتها."اعلم أن جذر مائتين إلا عشرة مجموع إلى عشرين إلا جذر مائتين فانه عشرة سوياً. وجذر مائتين إلا عشرة منقوص من عشرين إلا جذر مائتين فهو ثلاثون إلا جذرى مائتين.. وإن أردت أن تقسم جذر تسعة على جذر أربعة، فانك تقسم تسعة على أربعة فيكون اثنين وربعاً، فجذرها هو ما يصيب الواحد، وهو واحد ونصف".
ثم باب المسائل ( المعادلات ) الست، ثم باب المسائل المختلفة، وهى تدور حول تكوين معادلات من الدرجة الثانية وكيفية حلها. وهذه المسائل قريبة الشبه جداً بما فى كتب الجبر الحديثة. أما المعادلات التى قسمها الخوارزمى إلى ستة ضروب أو أقسام، فيمكن الإشارة إليها فيما يلى:
1- الأموال التى تعدل الجذور،ومثالها القول : مال يعدل خمسة أجذاره فجذر المال خمسة، والمال خمسة وعشرون، وهو مثل خمسة أجذاره.
2- الأموال التى تعدل العدد، ومثالها القول : مال يعدل تسعة فهو المال وجذره ثلاثة. وكالقول: خمسة أموال تعدل ثمانين فالمال الواحد خُمس الثمانين وهو ستة عشر.
3- الجذور التى تعدل عدداً، ومثالها القول : جذر يعدل ثلاثة من العدد، فالجذر ثلاثة والمال الذى يكون منه تسعة.
4- الأمـوال والجذور التى تعدل عدداً، ومثالها القـول : مال وعشرة أجذار يعدل تسعة وثلاثين درهماً، ومعنـاه أى مال إذا زدت عليه مثل عشرة أجذار بلـغ ذلك كله تسعـة وثلاثين.
5- الأموال والعدد التى تعدل جذوراً، ومثالها القول : مال وأحد وعشرون من العدد يعدل عشرة أجذاره، ومعناه أى مال إذا زدت عليه واحداً وعشرين درهماً، كان ما اجتمع مثل عشرة أجذار ذلك العدد.
6- الجذور والعدد التى تعدل الأموال،ومثالها القول :ثلاثة أجذار وأربعة من العدد تعدل مالاً.
وهذه الضروب الستة من المعادلات يعبر عنها باللغة الجبرية الحديثة كما يلى :
1- م س2 = ب س
2- م س2 = جـ
3- ب س = جـ
4- م س2+ب س = جـ
5- م س2 + جـ = ب س
6- ب س + جـ = م س2
ثم قدم الخوارزمى حلاً لكل ضرب من هذه الضروب الستة بذكر أمثلة توضيحية مفصلة خالية من استعمال الرمـوز، الأمر الذى تطلب منه جهداً كبيراً فى حل مثل هذه المسائل الجبرية. يقول الخوارزمى : "مالان وعشرة أجذار تعدل ثمانية وأربعين درهما,وهو يقدم طريقة الحل على هذا النحو : " ومعناه، أى مالين إذا جمعا وزيد عليهما مثل عشرة أجذار أحدهما، بلغ ذلك ثمانية وأربعين درهماً. فينبغى أن ترد المالين إلى مـال واحد، وقد علمت أن مالاً م
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ